حسن الأمين
173
مستدركات أعيان الشيعة
أصبحت ترغب عن إنفاذ المعاهدة بالإكراه لكيلا تظهر في مظهر المستعمر الغاصب ، ولكنها مصممة على تحقيق مصالحها المتوخاة في إيران لا تتراجع عنها . فلتخرج هذه المصالح بوجه آخر غير وجه المعاهدة . وإخراجها بهذا الوجه لا يكون إلا بانقلاب . انقلاب إيراني الوجه محلي العنوان تسانده وتحركه في الخفاء أيد إنكليزية . ويعقبه حكم موال للانكليز ويحقق مصالحهم بعنوان إيراني لا بعنوان إنكليزي . وهذا هو المشروع الجديد البديل لمعاهدة 1919 م . يقول الجنرال « آيرن سايد » ( 1 ) في مذكراته : « الانقلاب خبر دواء للوضع الحاضر في إيران » . وزارة « السبهدار » وكلف « أحمد شاه » عدة رجال بتشكيل الوزارة فرفضوا كلهم النهوض بهذه المهمة الصعبة . ثم قبل بها سياسي ثري ضعيف الشخصية متخاذل موال للانكليز هو « فتح الله أكبر » الملقب ب « السبهدار الأعظم » . وألف وزارته يوم 22 آبان ( 2 ) سنة 1299 ه . ش . وكان أول عمل قام به هو عزل « أستار ولسكي » الروسي عن قيادة كتيبة القوزاق وإسناد قيادتها إلى « قاسم خان والي » المعروف باسم « السردار همايون » استجابة منه لطلب السفارة الإنكليزية . وكان عزل القائد الروسي عن هذا المنصب غاية قديمة تتوخاها هذه السفارة لتجعل الكتيبة في تصرف الإنكليز . ولم يستجب لها « مشير الدولة » ولا سلفه « وثوق الدولة » . وكانت إيران لا تملك من القوات المسلحة غير هذه الكتيبة وكتيبة الدرك . وهذه متفرقة في نواحي مختلفة لاقرار الأمن . وعزل القائد الإيراني الجديد للكتيبة القوزاقية تسعة عشر ضابطا روسيا من ضباط الكتيبة وعين في مكانهم ضباطا إيرانيين . ثم أصدر بعد ذلك « السبهدار » رئيس الوزارة قرارا بعزل جميع ضباط الكتيبة الروسيين . وحظرت السفارة الإنكليزية على « إستار ولسكي » الإقامة في إيران ، فغادرها فورا إلى بغداد ومنها إلى باريس مقر الحكومة الروسية القيصرية المهاجرة . وتلقى الناس الوزارة الجديدة بالاعتراض والخشية من إقدامها على إنفاذ معاهدة 1919 م ، فاضربت الأسواق وعبر الناس من اعتراضهم بالتظاهر وغيره من مظاهر الاعتراض . فاضطر « السبهدار » إلى إصدار بيان بان المعاهدة لا يمكن أن تكون نافذة ما لم يوافق عليها المجلس النيابي وأن خطته في هذا الموضوع هي خطة سلفه . وسافر « السردار همايون » إلى قزوين حيث كان مقر قيادة سلفه الروسي لتسلم منصبه الجديد . وحصل جنود الكتيبة القوزاقية على مائة ألف تومان رواتب لهم ، وكانت رواتبهم قد انقطعت بعد قطع الإنكليز المعونة المالية عن الحكومة الإيرانية في عهد « مشير الدولة » . وحصلوا على أعطيات من الحنطة والشعير . وكان السيد « ضياء الدين الطباطبائي » واسطة الحصول على هذا المال والغلال من الإنكليز . وحضر إلى قزوين أيضا الجنرال « ديكسن » . ( 3 ) الانكليزي . وتولى تعريف جنود الكتيبة القوزاقية بقائدهم الجديد « السردار همايون » . وخطب فيهم . قال : « إن هذا اليوم يوم فخر للقوزاق ، إذ تحرروا من مخالب ضباط البلاط القيصري ، المخالب التي ما زالت تأسرهم من أربعين عاما . والآن ها أنتم لا يأمر عليكم روسي ولا إنكليزي بل يرئسكم ضابط إيراني » . واستقرت قوى القوزاق في أطراف قزوين في إمرة الضابط القوزاقي « رضا خان » ( الذي أصبح فيما بعد رضا شاه بهلوي ) . وكان « السبهدار الأعظم » يديم استشارة السيد « ضياد الدين الطباطبائي » والسيد « محمد صادق الطباطبائي » ( 4 ) في جميع أعماله الحكومية ويشاركانه في مساعيه وتخطيطاته بصورة شخصية ، إذ لم تكن لهما صفة رسمية في حكومته . ونشر « السبهدار » بيانه الوزاري لا على المجلس النيبابي ، إذ كان هذا المجلس معطلا ، بل على الرأي العام مباشرة . وفيه تذكير بسوء الأحوال وتعقد المشاكل وصعوبة العمل . وفيه وعد بافتتاح المجلس النيابي في أسرع وقت ممكن نتسلم إليه مقدرات الأمة . ولم تلبث هذه الوزارة ، وهي في زحمة الصعاب والمخاوف ، إن تلقت من الحكومة الإنكليزية مذكرة تطلب فيها وضع كتيبة القوزاق تحت إمرة قيادة إنكليزية ، وتذكر أن منح الحكومة الإنكليزية إيران مساعدة مالية أصبح موضع اعتراض من مجلس العموم الانكليزي ورجال السياسية الإنكليز . وأن الإلحاح يشتد على الحكومة الإنكليزية بوجوب استدعاء العسكر الانكليزي من إيران . وفي المذكرة إنذار بان الحكومة الإيرانية إن كانت راغبة عن صداقة انكلترا مستغنية عن مساعدتها فانكلترا تعد ذلك مصلحة لها تغتنمها وتتنحى من إيران . وكان الفصل في موضوع هذه المذكرة من شان المجلس النيابي وحده . وإذ كان المجلس معطلا فقد ارتاى « أحمد شاه » تشكيل مجلس شورى ينوب موقتا عن المجلس النيابي للفصل في هذا الموضوع . وهو تدبير له سابقة في تاريخ تلك الحقبة في إيران . وتشكل المجلس من نخبة من الأمراء والوزراء ورجال الدين والتجار والأعيان والنواب . وعقد جلسة في يوم السبت 16 ربيع الأول سنة 1338 ه . ق . وافتتح الجلسة « أحمد شاه » ببيان مختصر ثم غادرها . وانتهت أبحاث هذا المجلس إلى الإجماع على أن لا حق لهم في الفصل في موضوع المذكرة الإنكليزية ، وأن الحق في ذلك هو للمجلس النيابي وحده ، ومن ثم أوصوا رئيس الوزراء بالاسراع بافتتاح المجلس . في هذه الأثناء ، كانت مفاوضات مندوب « مشير الدولة » لمسئولي الحكومة البلشفية في موسكو قد انتهت إلى نتيجة طيبة ، إذ وفق في أوائل سنة 1921 م إلى تنظيم معاهدة بين إيران والاتحاد السوفياتي تحفظ حق إيران كاملا في علاقتها بالاتحاد السوفياتي . وتتالف من 26 مادة . وأرسل مندوب إيران في موسكو نسخة عنها إلى حكومته للموافقة . وأوقع تنظيم هذه المعاهدة « السبهدار » رئيس الوزارة في الحرج
--> ( 1 ) قائد الجيش الانكليزي في إيران سنة 1920 م وهو المدبر الأول للانقلاب الذي حصل بعد ذلك . ( 2 ) الشهر الثامن من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية ويقابله أيلول وتشرين الأول . ( 3 ) هو أحد العسكريين الذين حضروا إلى إيران بعد عقد معاهدة 1919 في عهد وزارة « وثوق الدولة » للتحضير لانشاء الجيش الإيراني وتولي الشؤون العسكرية التي نصت عليها المعاهدة . وكان يومئذ في حكم المستشار في وزارة الحربية الإيرانية . ( 4 ) نائب سابق في المجلس النيابي الذي انتخب سنة 1327 ه . ق . بعد خلع محمد علي شاه . ثم سفير إيران في أنقرة ، ثم رئيس الجمعية التأسيسية سنة 1328 ه . ش .